مشاهدات عائد من بغداد: "مدينة السلام" ... وحروبها (2 - 2 )

.

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
17/04/2011 06:00 AM
GMT



(الصورة في الواجهة اسلاك وملابس، تحت واجهة "ارت ديكو" رائعة لمبنى ثلاثيني. شارع الرشيد، رأس القرية)
 
تمتلئ شوارع بغداد وازقتها، في الوقت الراهن، بحضور ملحوظ للكتل الخرسانية. وقد استطاعت هذه الكتل باشكالها ذات اللون "الكونكريتي" الباهت والموحد، ان تؤسس وجودا لافتا لها في مشهد بغداد المعاصرة. انه مشهد غير معروف سابقاً، يشي وجوده بشئ من الضيق المزعج، سرعان ما يتحول الى اكتئاب مزمن؛ يشعرك (ويذكرك) بان المدينة لا تزال تتعايش، مع غرائبية ظاهرة ثنائية الحرب والسلام على "سطح" واحد!؛ التى اشرنا اليها، في الجزء الاول من هذه "المشاهدات". تصطف الكتل الخرسانية الواحدة بجنب الآخرى، عاملةً "سداً" كونكريتياً، ينشأ على امتداد اطراف شوارع المدينة. ثمة فتحات قليلة فيه، بابعاد صغيرة، تسمح فقط بمرور جسم الانسان عبرها للوصول الى ما وراءها.  وبالطبع فان مسوغات وجود هذه الكتل الخرسانية هو حماية مباني المؤسسات العامة ودور الاحياء السكنية، من الانفجارات الارهابية والوقاية من السيارات المفخخة. ويفترض ان وجودها الكثيف يعمل على عرقلة "حرية" حركة الارهابيين، وغلق المسارات امامهم. وعادة ما تكون شوارع الاحياء السكنية او مداخل مباني المؤسسات العامة محاطة بتلك الكتل من جميع الجوانب، ويترك مدخل منفرد، او مداخل مقننة، تكون، بشكل عام، تحت الحراسة.
عندما اسير بجنب تلك الكتل، احاول ان اتغاضى منظرها الموحش المورث للكآبة، وما تولده من احساس مزعج ومربك، اعزوه الى ما سببته من تغيير قسري ومفاجئ في اسلوب تقبل مقياس مفردات التأثيث الحضري المعتاد. ذلك لان ارتفاعها العالي غير المألوف، واستمراية وضعيتها الرتيبة القاتمة ولونها الكالح، يجعل من وجودها في فضاء المدينة وجودا غريبا وعدوانيا. ثمة انواع مختلفة الابعاد لتلك الكتل في فضاء المدينة، لكن الرائج منها، هي الكتل ذات الارتفاع  الذي يصل الى اربعة امتار، وبعرض حوالي 1.2 مترا. وهذه الكتل تستند على قاعدة  تزداد عرضاً في الاسفل زيادة في الثبوتية. يسعى البغداديون، والفنانون منهم على وجه التحديد، الى التقليل من شدة رتابة شكلها ولونها، بصبغها او الرسم عليها برسومات غالباً ما تكون مواضيعها ثيمات شعبية.  لكن تلك الممارسة ليس شائعة تماما، بل يمكن القول انها نادرة، وهي تظهر قرب المؤسسات التعليمية خاصة، او المعنية بالفنون، وما شابه.
ربما تقبل البغداديون او زائرو العاصمة رؤية الكتل الخرسانية في فضاء المدينة، رغم بشاعة شكلها و"تلويثها" البصري لذلك الفضاء؛ بذريعة قيامها "بواجبها" الامني. لكن من غير المفهوم استخدام وجود تلك الكتل للتعدي على الحق العام المديني. اذ انها توقع احياناً، في نهر الشارع وعلى ارضية الارصفة المجاورة لبعض المباني "المحمية"، معرقلة انسيابية السير، ومعيقة حركة المشاة. وقد شاهدت شخصياً رصيفا "مسروقاً" أُستغل بالكامل من قبل مؤسسة خاصة بوضع كتل خرسانية فيه، بل، وزيادة في ذلك، تم عمل "بوابة" على ارض الرصيف، تؤدي الى مدخل تلك المؤسسة. ويتم كل ذلك على مرأى ومسمع الجهات البلدية المسؤولة. ثمة تبجح سافر، وتعدٍ واضح، يقوم به البعض لجهة ازدراء الانظمة والقوانين السارية، والتباهي باظهار سهولة التجاوز على الحق العام، والتفاخر بعدم المساءلة من اية جهة ما. يقابله تنصل مخجل من قبل سلطات بلدية المدينة في عدم القيام بواجباتها، والتغاضي عن التزاماتها وحقوقها التى اناب لها القانون؛ وترك الامور لمزيد من الانهيار والانحدار، وكأن شيئا لم يحدث. مع ان جميع موظفي الامانة والمسؤولين فيها لا يزالون يتقاضون اجورا ورواتب عن اعمالهم التى من ضمنها يقع، اساساً، مراقبة وإيقاف مثل تلك "التجاوزات" التعسفية الحاصلة، ومحاسبة مرتكبيها.
وكلمة"تجاوز" هي الكلمة الاشهر الآن، والاصدق في وصف الحالة البغدادية. فالتجاوز قائم على قدم وساق. ثمة تجاوز على الحق العام، وعلى الابنية العامة، وعلى القوانيين والانظمة. فضلا على  التجاوز الذي طال حتى الممتلكات الخاصة. ويتم هذا التجاوز بمقاسات مريعة وبوتائر سريعة، ما اسهم في احالة فضاء بغداد وممتلكاتها الى ما يشبه الخراب، الخراب الذي يربك المرء ويحيره، عن كيفية (وحتى امكانية) ايجاد سبل تكون قادرة على "تجاوز" مثل تلك التجاوزات مستقبلا، وارجاع الامور الى حالتها الطبيعية. ويتم استغلال ظاهرة التجاوزات ببشاعة، واحياناً بسلوك، يتسم ببعده عن الاخلاق، من قبل بعض المسؤوليين وحتى قسم من المشرعيين: نواب الشعب، الذين يفترض بهم الحرص على المال العام، وعلى الحق العام، الذي هو في الحقيقة ملك الشعب باكمله. فتعطى وعوداً زائفة، وتقترح حلولا غير واقعية، وتشرعن مثل تلك الممارسات على حساب حقوق الآخرين، طمعا لاغراض شخصية ومكاسب حزبية ضيقة. وكما اشرنا، فان احد اسباب (ان لم يكن السبب الرئيس)، لاستفحال وانتشار ظاهرة "التجاوز"، بمثل تلك المقاييس المخيفة، يرجع الى تخلي جهاز امانة بغداد وحكومتها المحلية وتنصلهما من القيام بالواجابات والمسؤوليات الملقاة عليهما.
وهذا التنصل، غير المفهوم وغير المبرر، هو الذي يصنع من ظاهرة "التجاوز" ظاهرة عادية ومألوفة، في سلوكيات بعض سكنة المدينة، ويؤدى الى تكريس تبعاتها السلبية في قسم من جهاز بلديتها ولدى حكومتها المحلية. فتتغيّر تبعا لذلك، طبيعة احياء سكنية بصورة جذرية في المدينة، وتتم انزياحات ديموغرافية في مناطق لم تألف مثل هذه "الخضات" السوسيولوجية، بالاضافة طبعا الى التغييرات غير القانونية  لطبيعة استخدامات الاراضي المحددة ضمن القوانين النافذة بمقتضى المخططات الحضرية. فتظهر مباني في فضاء المدينة، مشيدة على قطع مفرزة عشوائياً، وتجرى انتهاكات صارخة للتعليمات الموجه لتنظيم نوعية المبنى وتوقيعاته. وكل هذه الانتهاكات  ُترى الآن في عموم مناطق بغداد، بالعين المجردة، غير المتخصصة؛ مما يثير تساؤلا مشروعا، فيما اذا فقدت، كليا، الجهات المسؤولة عن المدينة وتلك المسيّرة لشؤونها الادارية، بصرها و"بصيرتها"، عن ما هو حاصل من تجاوزات في المشهد المديني؟. نعلم ان تبعات العمليات الارهابية المدمرة والاجرامية، تخلف وراءها قنوطا يؤدي احياناً، الى تكوين إحساس، يسهم بالنتيجة الى خلق اجواء تنطوي على عدم اكتراث او اهتمام بما يجري في المشهد. بالاضافة الى ما صاحب ذلك من انتشار، ما يعرف الآن، بالفساد المالي والادراي، الشائعة ممارساتهما في كل الجهاز الاداري العراقي. لكننا، هنا، نتحدث عن انتهاكات صارخة، وتجاوزات غير مقبولة لا عرفاً ولا قانوناً. ويمكن التصدي لها (او في الاقل ايقاف تماديها)، برقابة قليلة، وبادنى درجة من الحس المسؤولياتي!.
عنما كنت في بغداد، سعيت، بحكم مهنتي واهتماماتي، وراء مشاهدة وزيارة دارة "زهاء حديد": المعمارة المعروفة عالمياً، ذات الاصول العراقية، والتى تعد الان وفقا لرؤى كثر من النقاد، احدى اشهر نجوم العمارة العالمية، لمقاربتها التصميمية المميزة والفريدة في الخطاب المعماري. نعلم ان بيتها، وهو بيت والدها "محمد حديد"- الشخصية السياسية العراقية النافذة، الواقع في حي البتاويين بالعاصمة، كان قد صممه احد المهندسين السوريين، وهو "بدري قدح"، الذي عمل في العراق ابان حقبة الثلاثينات، وقد صمم دورا سكنية للنخبة المثقفة العراقية وقتذاك، بضمنها دارة "محمد حديد"، اياها. تنبع اهمية هذه "الدارة" بكونها "مسقط رأس" المعمارة العالمية، والحيز المعاش لطفولتها وشبابها. هي التى تمثل بالنسبة الى زهاء "الحيز السعيد" بتعبير الفيلسوف "غاستون باشلار" .."الحيز المحبوب وقبل ذلك الحيز الحميم، الحيز الملاذ، اي.." ودائما ووفقاً لتعابير الفيلسوف الفرنسي،  "..في كلمة أكثر بساطة: البيت، ...هذا البيت، الذي نحلم به، يسكن احلامنا، حتى وإن كان وجوده المادي حقيقياً". من هنا، تنبع قيمة الدارة الرمزية، التى تتجاوز باهميتها النطاق المحلي، لتضحى محط اهتمام الوسط  المعماري الدولي، وعناية الاوساط الثقافية العالمية.
هذه "الدارة"، التى يتعين ان تكون مبنى واجب الحماية من قبل الدولة العراقية، وكما يفترض، منطقياً،  ان تؤهل لتكون موقعا ذا دلالة، ضمن سجل المواقع الثقافية العالمية، المحافظ عليها من قبل "اليونسكو"، نظراً لاهمية "صاحبتها"؛ قد انتهكت حرمتها بشكل شنيع، ولم يعر احد ادنى اهتمام لما قد تمثله من قيمة ثقافية، وما يمكن ان تحضى به من اهتمام عالمي. اذ تمت اضافة "كشك" مختص بتصليح (غاز تبريد السيارات)، كما تشير اللافتات العديدة "المحيطة" به. وهذا "المنشا" الغريب، المعمول من بلوكات خرسانية غاية في القباحة، وقع تماماً في مكان باب سياج الدارة، ممتدا ببنائة "بحرية" الى مسافة لابأس بها، مستغلاً ارضية الرصيف العام. وتدلل الكلمات "المخطوطة" على جدرانه نصف الملونة، بنوعية الذهنية، التى يُفـّكر بها الآن، فهي تتوعد صاحب الكشك (وكما عرفت لاحقا، هو نفسه ايضا، حارس "الدارة"!) بالقتل، فهو "مطلوب عشائريا، ومطلوب دماً"، وكل هذا الممارسات البشعة، العائدة الى تقاليد القرون الغارقة في ماضويتها، "تتعالق" بمفارقة غريبة، مع اسم صاحبة الدارة، ذات المقاربة التصميمية الاستثنائية في معاصرتها، والعابرة حتى لمفاهيم ما بعد الحداثة!!.
لايحتاج المرء كثير عناء، ليرى بنفسة الخروقات الفظة، للقوانين والضوابط المرعية، التى ابانها بوضوح نادر، بناء "كشك" دارة زهاء حديد. انه تمثيل بيّن لاعتداء صارخ على الحق العام، ما حدا بي ان اكتب مقالا مطولا، اناشد المسؤولين جميعهم واشيمهم، بدءا من منظمات المجتمع المدني وامانة بغداد، ووزارة الثقافة، وصولا حتى لرئاسة الجمهورية ولرئاسة الوزراء، للعمل على الحد من تلك الخروقات وازالتها، نظرا لما تتمتع به الدارة من اهمية ثقافية وحضارية على المستويين المحلي والعالمي. (انظر المقال المنشور في "المدى" على الرابط الآتي: http://www.almadapaper.net/pdf/02-2030/9.pdf ). ماذا كانت النتيجة جراء نشر المقال؟ لا شئ؛ لا شئ البتة. ولم يهتم احدُ بما كتبت او ناشدت. وبقيت الانتهاكات كما هي، لا احد "يجرأ" (لا من امانة بغداد ولا من غيرها)، على رفعها او التعرض لها؛ رغم ان الموقع المشار اليه لا يقع في التخوم او في الضواحي، وانما يقع في "قلب" بغداد وفي وسطها.  وهذا مجرد مثال، من امثلة عديدة للتجاوزات الفظة التى "يزخر" بها المشهد البغدادي المعاصر.

اما المثال الاخر، الذي اود ان الفت اهتمام المتلقي له، وهو "الكارثة" (وانا لا اجد كلمة اخرى مناسبة تصف الحالة التى اود الحديث عنها)، التى لحقت باحد اهم مباني بغداد، واحد النماذج الفريدة في سجل عمارتها الحداثية. انا اتحدث عن "كنيسة الاباء الدومنيكان" (1922-1932) في محلة "السنك". لا جدال ان مبنى الكنيسة بتاريخه العريق، وبما ينطوي عليه من حلول تصميمية عالية المهنية، وما يفيض به من ثراء في التفاصيل الآجرية المبتكرة والجميلة، بالاضافة الى حذاقة الهيكل الانشائي، وبراعة تنفيذه، كل ذلك يجعل من "كنيسة السنك" لتكون "جوهرة" معمارية جديرة بالاهتمام والحفاظ والعناية من قبل الجميع: مسؤولين وغير مسؤولين. واذكر شخصيا، باني مع طلابي في مدرسة العمارة البغدادية، في بداية الثمانيات، عملنا على اجراء مسوحات ورسوم للمبنى، كجزء من اهتمامنا، وقتذاك، في دراسة وتوثيق نماذج عمارة الحداثة في العراق. ومع ان المبنى لم يكتب عنه الكثير، (كما لم يكتب عن الكثير من روائع عمارة الحداثة بالعراق)، فان ذلك لم يقلل من قيمة المبنى، مثلما لم يستر نجاحاته المعمارية. وظللت على الدوام، اعتبر نفسي من محبي عمارته، مقدرا الجهد التصميمي لبناته، معتبرا اياه نموذجا لمرحلة مهمة واساسية في تطور عمارة الحداثة بالعراق، واجبة الحفاظ والتذكير.
ثمة "نشيد" آجري مفعم بالامل والفرح، يمكن اسباغه على وصف عمارة "كنيسة السنك"، من دون ان يشعر المرء، بانه يبالغ كثيرا في مثل ذلك التوصيف. لكن هذه"الجوهرة" المعمارية، هي الآخرى، يتعرض مبناها الى انتهاكات فظة: غير مقبولة، وغير مفهومة. اذ تم تهديم وازالة ملحق المدرسة المجاور للكنيسة، المدرسة المعنية بتعليم الاطفال الايتام، ولاحقاً، تم "اكتساح" فضاءها، لعمل دكاكين عشوائية لبيع ادوات السيارات. وعندما زرت موقعها مؤخرا، تملكني رعب شديد، وانا اشاهد طريقة تنفيذ بناء تلك الدكاكين، لصق واجهة الكنيسة، التى تعتبر عمارتها برأيي، وبرأي كثر من المعنيين، تمثيلا نادرا لانجاز تصميمي يعود الى  فترة زمنية خلاقة، يتعين التذكير بها دوما، وبالطبع يتوجب الحفاظ عليها، كشاهد بصري للذاكرة المعمارية والثقافية والتاريخية لبلدنا.  

تثير واقعة "كنيسة السنك" ومثيلاتها من الوقائع العديدة الحاصلة الآن في المشهد البغدادي، جملة من التساؤلات عن معنى المفهوم الحضري للمدينة المعاصرة. المفهوم الطباقي الواسع، الذي لا يرهن ذلك المعنى فقط عبر ممارسة البناء الجديد، وانما يولي ايضاً اهتماما مماثلا لمفهوم العناية والحفاظ على الابنية القديمة، ذات الاهمية الحضرية والثقافية والمهنية العالية. ومثل هذا المفهوم هو الذي يخلق متناً مدينيا غنياً، عماده الحضور الدائم لجدلية القديم والحديث في فضاء المدينة. يتعين الاعتراف، باننا لم نبذل، في الماضي، جهدا واهتماما كافيين لجهة ترسيخ مداليل الثقافة الحضرية وقيمها في اوساط مجتمعية واسعة، لاسباب عديدة، ليس هنا مجال ذكرها او تعدادها. وقد تفاقمت، سلباً،  تبعات تلك الاسباب حاضرا، مضافا اليها في هذه المرة، النقص الفادح من المهنيين وحتى المهتميين في هذا الجانب. والمشكل الاخير، مشكل حقيقي، يعاني منه البلد باجمعه. ويكاد يجمع الكل على اهمية وضرورة تفادي هذا النقص، والعمل على تبني اطروحة مفادها ضرورة حضور المهنيين والاختصاصيين في المجتمع  حضورا مؤثرا، لناحية بلوغ الاهداف المرجوة في تقدم البلد ككل، وتقدم واعمار بغداد على وجه الخصوص.
بيد إن حل تلك الاشكالية انتابه كثير من العراقيل وعدم الجدية المشوبة بالغموض. فالجهات المعنية، تعرف تماماً، ان كثراً من اؤلئك المهنيين، يتواجدون الآن، خارج البلاد. غالبيتهم الذين اعلنوا مرارا وتكرارا عن رغبتهم في ابداء المشورة والمساعدة في شؤون اعمار البلد وتقدمه. نسمع كثيرا عن مؤتمرات وندوات ولقاءات، تعقد هنا وهناك، هدفها المعلن، البحث عن وسائل تسعى وراء الاستفادة (وحتى عودة) الكفاءات المهاجرة. لكن السنين تمر، ولم نرَ شيئا جديا او ملموسا متمخضاً عن تلك المؤتمرات. ثمة تصور، بدا يتكرس لدى كثر من النخب المثقفة المهاجرة، بان المسؤولين الحاليين غير مهتمين، في الواقع، في تحقيق مثل تلك المساعي، اما جهلاً، واما لعدم تقديرهم الصائب لاهمية تواجد المختصيين في مراكز القرار. يضاف الى ذلك وجل كثر من المستفيدين (وهم ليسو بقليل، على اي حال)، الذين تبؤوا مناصب حكومية بطرق غير سليمة، واحيانا غير قانونية وباساليب غير مهنية، ورعبهم من فقدان امتيازاتها، في حالة تواجد كثير من الكفاءات المهنية في البلاد. اذ بما تفسر، مثالا لا حصراً، عجز وزارة الهجرة والمهجريين، المعنية اساسا بشؤون هجرة العراقيين، عن معرفة عدد، واختصاص، وخبرة التكنوقراط العراقيين المتواجدين خارج البلاد، طيلة سنين عديدة؟. اليس هذا دليل على تقاعس المسؤولين جميعهم، على امتداد سنين ما بعد التغيير، عن القيام بابسط واجباتهم المتوخاة منهم؟. عندما انتصرت الثورة الجزائرية في مطلع الستينات، والشئ بالشئ يذكر، كان من اوائل انجازاتها البحث عن جميع (اكرر "جميع")  "المجاهدين"، الذين اشتركوا في النضال التحرري، وتسجيل اسمائهم وعناوينهم وامكنة اقامتهم في كل مناطق الجزائر وفي الدول الاقليمية، وحفظها كقاعدة بيانات مهمة للدولة الجديدة. وها هي الان تمر حقبة من ثمان سنين، بعد التغيير وربما ستمر حقب آخرى، والبلد ما انفك لا يعرف شيئا ملموسا وواضحا عن عدد كفاءآته ومختصيه و"تكنوقراطه" المنتشرين في دول العالم.  ومع انها مهمة بسيطة الحل، بيد انها قضية على جانب كبير من الاهمية لجهة تحقيق التقدم المنشود للبلاد ومواطنيه. ما يجعل من عدم انجازها بالشكل المطلوب، امراً يثير الشكوك حول مدى مهنية القائميين على حلها؛ وفيما اذا كانوا جادين، اصلا، في ايجاد حلول لها.  لكني اعيّ، بان  الاسهاب في الحديث عن هذه الاشكالية وجدواها ليس مكانه هنا، بالطبع. عدا ان وجعها، سيضيف وجعا اخرا الى اوجاع مشاهداتي وانطباعاتي التى خلصت بها عن بغداد الحبيبة.

ومع اني  لا ارغب الرجوع، مرة آخرى، لمناقشة اشكالية نقص المهنيين او الاختصاصيين الحالية في عراق اليوم، والتى اعتبرها الاشكالية الاهم الواجبة الدراسة والتحليل العميقين، ولهذا، وكما اشرت توا، لا يجوز التصدي لها بعجالة، كما لا يمكن، لخطورتها، التطرق اليها كجزء من سرد لمشاهدات شخصية. ومع هذا فان تبعاتها المؤثرة على مناحي الحياة في بغداد وغيرها من مدن البلاد الاخرى، لا يمكن التغاضي عنها. انها واضحة جدا ومعروفة للجميع ويمكن بسهولة رصدها والتعرف عليها. انها تغدو كارثية احياناً، ومكلفة جدا، وبسبب هذا النقص، يتم هدر المال العام بغزارة. ولهذا، وتبعاً لذلك، فان معظم المشاريع العمرانية في الوقت الحاضر، تنفذ بطرق بدائية، وتستمر بمدد زمنية طويلة جدا، وغالبا ما تكون غير مطابقة مع المواصفات والمقاييس المهنية. والكثير منها متوقف لعدم قدرة المقاول في ايفاء متطلبات المقاولة. واحيانا وبسبب الفساد المالي والادراي، تسلم مشاريع الى اشخاص غير ملمين بتاتا بطبيعة تلك المشاريع، ولم يعرف عنهم سابقا بانهم نفذوا مثل تلك الاعمال. لست وحدي من يقول هذا، كثر من البغداددين يشعرون به، ويشيرون اليه بصراحة؛ بل وحتى بعض المسؤولين عن ادارة المدينة، وجدوا الجرأة في التصريح بذلك. (انظر الرابط التالي: http://www.burathanews.com/news_article_119869.html). وتتمظهر ايضا وبوضوح، اثار  النقص التخصصي ونتائجه، في غالبية اجراءات العمل الادراي البيروقراطي للدولة العراقية، وتسمه بسمة خاصة. اذ لا تزال تنفذ معظم تلك الاجراءات من خلال العمل اليدوي، وبكتابة يدوية ركيكة، عادة ما تكون مليئة بالاخطاء التعبيرية والاملائية، وكأن التقنيات الالكترونية كالكمبيوتر او الانترنيت، في عالم آخر، بعيد المنال.
بالطبع ليس في نيتي، هنا ان اعدد مشاكل البلد وهمومه، انها لكثيرة، وكثيرة جدا، وبالامكان  تلافيها عبر العمل الجاد المهني الصحيح والمخلص. لكن واقع الحال، الآن، يدلل، على غير ذلك. ساشير، ووفقا لمزاج المقالة وهدفها، الى مثال واحد، اراه معبرا عن الذهنية السائدة، بالوقت الحاضر، في التعاطي مع المشاكل التى يواجهها المجتمع، وتواجهها الحياة البغدادية.  
كلنا يتذكر "ولع" الديكتاتور المشنوق، وشغفه المرضي بتمجيد ذاته الشخصية بكل الوسائل المتاحة: العادية والمبتذل منها. ويتذكر العراقيون، بانه ساهم، وقتها، باقصاء مدينة بابل الاثرية من سجل اليونسكو الثقافي ، اثر الحاحه وامره بحفر حرفي اسمه الاولين (ص، ح)، على جميع سطوح الآجر المستخدم في ترميم بقايا شواهد المدينة التاريخية؛ مثلما فعل  ذلك "نبوخذنصر" من قبل. وتزخر جميع الابنية المشيدة في حقبته (وفي غير حقبته ..ايضا)، باشارات مكتوبة، تدلل بان من "امر" بالتشييد او الترميم او حتى الاضافة، هو "القائد الضرورة" اياه، كما كان يحب ان يعرف ايامئذٍ.
  في مبنى القشلة، وهو مبنى عثماني، في محلة "جديد حسن باشا" شيد في منتصف القرن التاسع عشر، وتم لاحقا اضافة طابق علوي على البناء الاصلي، وقد شهد حوادث هامة في تاريخ العراق الحديث، اذ في باحة وحدائق القشلة، تحديدا، اجريت مراسيم تتويج الملك فيصل، ولفترة طويلة استضافت فضاءاته بعض من دوائر الدولة ووزاراتها.  على واجهة هذا المبنى ثمة "لافتة/ لوحة" ضخمة، يصل طولها الى حوالي اربعة امتار، معمولة من الخزف اللماع (الكربلائي)، تشير بان من "امر" بصيانة المبنى "القائد المنتصر"؛ ثم تتوالي بعد ذلك القاب اخرى، للديكتاتور المخلوع، منقوشة في تلك اللوحة "الحروفية" الخزفية الملونة.  
طبعاً، ليس من ثمة داعٍ لوجود مثل هذه اللافتة اصلا، خصوصا وان ترميم المباني، وصيانتها وتنظيفها امر عادي، ومألوف، وحتى واجب في مدن العالم قاطبة. ولذلك فان ازالتها، ولاسيما وهي في ابعادها "المتحرشة" والمتحدية، يعتبر امرا عاديا ومطلوبا، خاصة وان غالبية العراقيين يرغبون في نسيان ما يذكرهم بالعهد التوتاليتاري السابق ورموزه. لكن ماذا حدث تالياً؟. راقبوا، رجاءا، الصورة المنشورة. يبدو ان ثمة "امراً"  اتخذ بازالة اللوحة، لكن الشخص الموكل بالازالة "اجتهد" ان يبقي على القاب "القائد المنتصر"، كونها تشير الى "رئيس الجمهورية العراقية": اياً كان الرئيس. ومستمرا في "عمله" فقد ازال بطريقة  فجة وعشوائية الاسم الاول للديكتاتور، وعندما وصل الى الاسم الثاني، وجد نفسه في مأزق. اذ كيف تسول له نفسه ان "يزيل" بيديه ذاتها، ذلك الاسم الكريم، المحبب، وربما المقدس لديه، لكنه سرعان ما وجد الحل، مبقياً عليه، من دون ازالة. وتثير قراءة اللوحة الان، بوضعها الحالي، كثيراً من السخرية لطريقة  الترميم "المبتكرة" والشاطرة، التى يوحي "الحضور" فيها بـ "الغياب"!.. لكن هذه اللافتة التعيسة والمشوهة مابرحت معلقة، ولم يثر وجودها، رغم مرور سنين عديدة (!!)، لا وزارة الثقافة، ولا مؤسسة التراث التى يعود المبنى لها. بمثل هذه الذهنية، ويمثل هذا المستوى المتدني، البعيد عن ابسط الجوانب المهنية، يجرى التعاطي مع الشأن الثقافي، وللمرء ان يتصور "جريانها" في شؤون آخرى!.
بجانب القشلة، وفي محلة جديد حسن باشا ذاتها، ثمة منشأ، كان في السابق مبنى لمقار محاكم وكتاب العدول، تعرض للنهب والسلب، ابان فترة السقوط. ما يثير، هي طريقة نهب محتوياته الداخلية، اذ تم  "تفريغها"  بالكامل، بضمنها المواد الانشائية مثل الطابوق، والاخشاب، وحديد "الشيلمان" وما شابه. ويبدو الآن، بوضعية واجهاته ذات النفس الكلاسيكي  الجميل، والقائمة لوحدها من دون ان ترفع سقفا ما، ومن دون ان "تحجز" حيزا او فضاءا وراءها، وكأنها "نصب تذكاري" لتلك الايام المجنونة، رؤيتها التى تستعيد ذكرى ما قام  به النهابون والغوغاء في تلف الكثير من سجلات الذاكرة العراقية، وسرقتها وحرقها احياناً. انه ليس المبنى الوحيد على هذه الشاكلة، ثمة ابنية ممثالة عديدة في انحاء مختلفة من بغداد. والسؤال هنا، هل في النية لدى المسؤوليين، اخيرا، وبعد طول تلك الفترة، الانتباه الى امر ترميمها واعادة تشغيلها؟، في الاقل حتى ينخفض سجل المباني المتهدمة المشوهه لمنظر العاصمة، وتسترد بغداد مجددا ذاكرتها المعمارية، الجديرة بالحفاظ والصيانة.

كابدت بغداد كثيراً على مدى طويل. وكابد اهلها معها ايضا..الكثير. وكلاهما: بغداد واهلها، لا يستحقان ما وقع عليهما من ضيم ولا يستأهلانه. فالحاضرة، التى دُعيت غبّ تأسيسها بـ "مدينة السلام"، لم تتلذذ طويلا بهذا السلام. فكانت ارضها، غالباً، مسرحا لحروب وغزوات وهجومات عاتية. ويخال المرء، بان ثمة "لعنة" صاحبت طالع هذه المدينة، وحددت مصيرها. لعنة، لا احد يعرف مصدرها، ولا احد يدرك بواعثها، لكن تبعاتها حاضرة، حاضرة بقوة في سجل تاريخ هذه المدينة العظيمة. انها ذات "اللعنة"، التى دعتها "العراقية المجروحة" بـ "البلاء"، هي التى علقت، بوجع انساني افهمه واتعاطف معه، على الجزء الاول من مقالتي (مشاهدات عائد من بغداد)، المنشورة في  ايلاف (22 مارس 2011)، وتساءلت فيه، كيف يمكن "لبلد ان يعاني كل هذه الاهوال، ولا يكون في الامر ابتلاء حقيقي؟!".
وسواء كانت "لعنة" ام "بلاء"، فان ظلم و "تظليم" بغداد، لا يمكن لهما ان يطولا، اكثر مما طالا. اذ دفعت بغداد بطول مكابداتها تلك اكثر من "كفارة"، واكثر من تعويض "لسوء" طالعها، اذا كان من ثمة سوء طالع في الامر!. ولدي احساس عميق (اعتقد انه صادق)، من انها ستسترد، حتماً، عافيتها قريباً، وتبدأ نهضتها من جديد وبقوة. ذلك لان كل ما يعجل بعافيتها، ويؤسس لنهضتها متوافر. انهم البغداديون واصدقاء بغداد المحبين لها، الذين سوف لن يقصروا في تسخير معارفهم وخبرتهم المهنية، لجهة تعجيل عافية بغداد وتسريع نهضتها. وطالما هناك اصرار على تحقيق هذا الهدف النبيل، وطالما هناك مخلصون يتبنون هذا الهدف، وطالما، وهو الاهم، لا توجد ديكتاتوريات،  ولا توجد "ثقافة" انظمة شمولية، يمكن لها ان تعيق انجاز مثل تلك الاهداف؛ فان... غدا لناظره قريب!. □□